خليل الصفدي

59

نكت الهميان في نكت العميان

خاتمة لهذه المقدمات قل أن وجد أعمى بليدا ، ولا يرى أعمى إلا وهو ذكى ، منهم الترمذي الكبير الحافظ ، والفقيه منصور المصري الشاعر ، وأبو العيناء ، والشاطبى المقرى ، وأبو العلاء المعرى ، والسهيلي صاحب الروض الأنف ، وابن سيدة اللغوي ، وأبو البقاء العكبري ، وابن الخباز النحوي ، والنيلي شارح الحاجبية ، وغيرهم على ما يمر بك فيما بعد . والسبب الذي أراه في ذلك أن ذهن الأعمى وفكره يجتمع عليه ، ولا يعود متشعبا بما يراه ، ونحن نرى الإنسان إذا أراد أن يتذكر شيئا نسيه أغمض عينيه وفكر ، فيقع على ما شرد من حافظته . وفي المثل : أحفظ من العميان ، أورده الميداني في أمثاله . وأورد الجاحظ في كتاب « البيان والتبيين » قول ذي الرمة : حوراء في دعج صفراء في نعج * كأنها فضة قد مسها ذهب « 1 » قالوا : لأن المرأة الرقيقة اللون يكون بياضها بالغداة يضرب إلى الحمرة ، وبالعشى يضرب إلى الصفرة ، ولذلك قال الأعشى : بيضاء ضحوتها وصف * راء العشية كالعرارة وقال بشار : فإذا دخلت تقنعى بال * حسن إن الحسن أحمر ثم قال الجاحظ : وهذان أعميان قد اهتديا من حقائق الأمور إلى ما لا يبلغه تمييز البصراء . ولبشار خاصة في هذا الباب ما ليس لأحد . قلت : تعجب الجاحظ من قول الأعشى وبشار ، وكيف به لو سمع قول أبى العلاء المعرى : رب ليل كأنه الصبح في الحس * ن وإن كان أسود الطيلسان قد ركضنا فيه إلى اللهو حتى * وقف النجم وقفة الحيران

--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لذي الرمة في ديوانه ( ص 33 ) ، وفيه : « كحلاء في برج ، صفراء في دعج . . . » ، وجمهرة اللغة ( ص 1331 ) ، وجمهرة أشعار العرب ( ص 945 ) ، والكامل ( ص 934 ) ، وبلا نسبة في المخصص ( 1 / 98 ) .